الخميس، 30 نوفمبر 2017

رواية وفيلم "اسم الوردة".. حين يتحدى الكاتب قرّاءه







"كل الأشياء تندثر ولا يبقى منها إلا الأسماء "بهذه الجملة وعلى لسان الراهب "ويليام" ينهي أمبيرتو إيكو واحدة من أبرز روايات القرن العشرين، "اسم الوردة" .

أمبيرتو إيكو أستاذ جامعي وفليسوف إيطالي من مواليد عام 1932 وحاصل على الدكتوراة في الفلسفة عام 4195، ناقد أدبي وروائي وباحث في تاريخ العصور الوسطى وأستاذ في علم السيميوتكس وهو علم يبحث في الدلالات والرموز والتأويل وتفسير الواقع الذهني والمادي والمعنوي لفهم الدلالات .



صدرت "اسم الوردة" عام 1980 بعد سنوات طويلة من الدراسة والعمل على الفلسفة والتاريخ والتعمق بهما، كتب إيكو روايته الأولى "اسم الوردة" التي امتزجت فيها الفلسفة بالتاريخ بالأدب في توليفة واحدة متقنة، أخرجت لنا تحفته الأدبية تلك.









تدور أحداث الرواية في عام 1327 في العصور الوسطى، الوقت الذي بلغت فيه الصراعات السلطوية والكنسية ذروتها، فالطوائف المسيحية في حالة اقتتال للوصول لمقعد البابا، والبابا يحارب من أجل استمرار سيطرته على الإقطاعيات التي يحكمها بشكل مباشر سواء أراضٍ أو مدن، والصراعات بين أمراء المدن الإيطالية أو بينهم وبين أمراء البلاد الأخرى وملوكها كألمانيا وفرنسا وإيطاليا .أيضًا العصر الذهبي لمحاكم التفتيش التي كان باستطاعتها القضاء على الآلاف بتهم الزندقة فقط بمجرد الشك فيهم ودون أدلة محددة، في خضم كل تلك الأحداث يُرتب اجتماع في الدير بين ممثلي الطوائف الأخرى من الرهبان وممثلي البابا من أجل إجراء اجتماع تتضمنه مناظرة .

تبدأ الرواية بوصول الراهب ويليام باسكرفيل وتلميذه أدزو (راوي أحداث الرواية)، لدير على الأطراف الشمالية لإيطاليا، فقد حدثت للتو جريمة قتل غامضة يتوقف لديها الجميع، ويعلم بأمرها ويليام ويحاول فك لغزها، الراهب ويليام والضيف على الدير في تلك الأحداث رجل حاد الذكاء، سريع البديهة، ومحقق سابق بمحاكم التفتيش، اضطر للتخلي عن منصبه بعدما رأى كيف أن المحكمة توجه اتهامات بالهرطقة حتى طالته نفسه وهو بريء .





تخطيط متخيل للمكتبة


تتسارع الأحداث والجريمة تتحول لسلسة جرائم، والسبعة أيام التي يقضيها ويليام في الدير - وهي المدة التي تدور فيها أحداث الرواية - تتحول لأيام من الألغاز التي لا يمكن حلها، يقول ويليام لتلميذه: "أين حكمتي؟ لقد تصرفت كما يتصرف رجل عنيد متبعًا شبح النظام، بينما كان ينبغي أن أعرف أنه لا يوجد نظام"، في عبارة تختزل الكثير من الأمور التي كانت في غير محلها والأحداث غير المنطقية في فك اللغز المعقد .

مع تتبع سير الأحداث وجرائم القتل المتسلسلة يبدو الأمر وكأنه نبوءة تتحقق، كل ما يحدث عبارة عن آيات -من سفر يوحنا - متتالية في العهد القديم تثبت نفسها بنفسها مع اكتشاف جثة كل راهب ميت، الدير في وصف الراوي ليس أكثر الأماكن إيمانًا، يضج المكان بالفواحش والرذائل أكثر مما يملأه الإيمان، الدير وإن كان يبدو صامتًا هادئًا إلا أن للنظرات المترقبة ضجيجًا عاليًا لا ينافسه إلا صخب الهمس والهمهمات في الأروقة تتساءل عما سيحدث تاليًا، وعن مَن؟ ومتى؟ ولماذا؟

لا إجابات

تلك الرواية ليست من الروايات الاعتيادية التي تقدم للقارئ كل شيء بسهولة، لا.. إنها تتطلب منك كل التركيز والذكاء والاهتمام من أجل أن تفهمها وتستوعب أحداثها وتفاصيلها، النقاشات بين الرهبان والمحادثات بين ويليام وإدسو والربط بين محاورها كمحور الجريمة ومحور نقاشات الرهبان اللاهوتية، ربما تحتاج أيضًا لدفتر وأقلام لتسجيل الأسماء وطرقات الدير ومتاهات المكتبة من أجل مساعدتك على التخيل والاستنتاج .

يذكر أن ناشر الرواية طلب من إيكو حذف الـ100 صفحة الأولى كاملة بسبب إسهابها الشديد، لكنه رفض معللاً ذلك برغبته في اختبار ذكاء القارئ وقدرته على التحليل .

عن دوافعه وراء كتابة روايته يقول إيكو: "كان لدي الرغبة في تسميم راهب"، أبدى الناشر رغبته في رواية بوليسية، لكن الرواية البوليسية رواية تعتمد على تحقيقات بينما رواية أمبيرتو تعتمد على دلالات وهذا ما يجعله سعيدًا بما أنجزه، المناظرة بين الرهبان كان أساسها الحديث عن وضعية الكنيسة، هل من الصحيح أن تبلغ أملاكها كأملاك الملوك والأباطرة؟ وهل يحق لرجال الدين اكتناز الأموال وصرفها ببذخ؟ أم أن على الكنيسة أن تكون فقيرة كما بدأت؟

يقول: "ولكن القضية ليست إن كان المسيح فقيرًا ولكن إن كان يجب أن تكون الكنيسة فقيرة"، يتخلل الرواية الكثير من التساؤلات الأخرى للعديد من النقائض كالخير والشر، النضج والبلاهة، التسامح والتعصب، ما هو عملي وما هو نظري، تباين الشخصيات الذي يجعل من كل حوار موضوعًا قائمًا بذاته وركنًا بارزًا من أركان الرواية .

المكتبة

ربما تكون المكتبة إحدى الدلالات التي يشير لها اسم "الوردة"، مكتبة الدير الغامضة والمغلقة دائمًا بأمر كبير الرهبان، تثير فضول ويليام، يحاول مرة والأخرى ثم ينجح في دخولها، المكتبة ليست إلا متاهة صممت بعناية واحتراف شديدين، لا يدخلها ويخرج منها إلا من يعرفها جيدًا، يتولاها أمينها، يحضر الكتب منها بنفسه وبعد موافقة كبير الرهبان، وهي مغلقة في وجه الزوار والعُباد في الدير على حد سواء.

خلال الرواية وتتابع الأحداث يستشف القارئ لم أخذت المكتبة هذا الحيز والتركيز في العرض ومجريات الأحداث، فالمكتبة تحمل في قلبها اللغز وأداة الجريمة، تحمل داخلها ما لم يود كبير الرهبان أن يكتشفه غيره أو يعرفه ليكون مصير كل من ينال "المعرفة" الموت ودفن معرفته معه، تخبئ المكتبة الحقيقة وتحملها في ذاتها لأن بطل الرواية الفعلي "كتاب" .

يقول الراهب الفرينسيسكاني: "أعرف أن ديركم يعد نور المعرفة الوحيد الذي تقدر المسيحية أن تضاهي به مكتبات بغداد الـ36 و10 آلاف مخطوطة التي يملكها الوزير ابن علقمي، وكتبكم المقدسة تعادل 2400 مصحف الذي تتباها بهم القاهرة وحقيقة خزائنكم هي البرهان الساطع ضد الكافرين ."



رسم تخيلي للمكتبة


العرب

تعرض أمبيرتو في روايته للحديث عن عصر النهضة لدى المسلمين والذي تجلى بشدة في العصور الوسطى، فذكر في مواضع متعددة كتاب تقويم الصحة لأبي القاسم البلداشي والحسن المختار لابن بطلان، وحتى حين ذكر ابن سينا قال عنه: "ابن سينا العظيم"، وكتاب الخوارزمي وكتاب علم البصريات ومكتبة طرابلس الغنية بـ6 ملايين مجلد، وموطن السر كتاب أرسطو "الكوميديا" نُقل لهم عن طريق المسلمين من نسخة وصلتهم من العرب وتحوي مخطوطًا عربيًا .

يقول ويليام ملاحظته عن وجود قرآن بالمكتبة: "من الزخرفة يبدو أنه قرآن، ولكن للأسف لا أعرف العربية".

كان أحد شروط التحاق النساخين بالمكتبة، أن يكون الناسخ على معرفة واسعة باللغة العربية لما لها من إنتاج ثري تميز به المسلمون، لم يصفهم العرب حسب عرقهم ولا حسب دينهم، بل وصفهم بما يعتقده من خلال نصوصه المقدسة "الكفار"، من لا يدين بالمسيحية، فهو كافر.

ما الوردة؟

حين شرع إيكو في كتابة تلك الرواية ذات السمت البوليسي، كان يتحتم عليه اختيار اسم لها، يقول: "بداية كنت سأطلق عليها دير الجريمة، لكن وجدته عنوانًا مستهلكًا ومباشرًا"، فقرر أن يجعل عنوانها محايدًا ذا عدة دلالات.

أحد أبيات الشعر في القرن الثاني عشر يقول: "الأشياء الصغيرة هي التي تنجح ، كانت الورقة اسم ونحن لا نملك إلا الأسماء"، فالاسم هو ما يستمر بعد انتهاء الأشياء واندثارها، البعض يذهب إلى أن الوردة هي المكتبة، فلفائف الوردة عادة تشبه المتاهة، وكذا المكتبة، ما يميزها أنها متاهة .



صورة المكتبة من الفيلم




والبعض يذهب للأسطورة القديمة التي تحكي عن يوم وحيد من أيام العام يُفتح فيه الباب بين عالمي الأحياء والأموات، يذهب الأحياء ليلتقوا بمحبيهم وأهلهم ويعودون شريطة ألا يأخذ أحد منهم أي شيء من عالم الأموات، في مرة وبتصرف أهوج أخذ بشري وردة معه، فأُغلق الباب للأبد ولم يُفتح ثانية .

كما أن الاسم لا اتفاق عليه، أحداث الرواية كلها تقريبًا تخضع للعديد من التأويلات، ولا حدث واحد متفق عليه، الأمر كله خاضع للخبرات ووجهات النظر التي يتمتع بها القرّاء .




ويليام: "إن حياة العامة لا يضيئها نور المعرفة، ولا يقودها إدراك الفارق الذي يجعل منا نحن عقلاء ويرهقها هاجس المرض والفقر الذي يجيد التعبير عن طريق الجهل، غالبًا ما يكون الانتماء بالنسبة للكثير منهم وسيلة فقط مثل غيرها للتعبير عن اليأس"




تحولت الرواية لفيلم في العام 1986 من بطولة جون كونري وكريستين سلاتر، الفيلم بث الروح في كلمات الرواية فحولها لواقع ملموس، ورغم جودة الإخراج، فإنه اختزل الكثير من التفاصيل التي أسهب في عرضها إيكو، لذلك تبقى الرواية متألقة في أسلوب عرضها وسخائها.


بعد ثلاث سنوات من تأليف الرواية وانتشارها ونجاحها، أصدر إيكو كتابه "تأملات في اسم الوردة" تكلم فيه عن ظروف العمل والأفكار التي كانت في ذهنه والصعوبات التي واجهها في كتابتها، وما لفت انتباهه من كلام القرّاء والنقاد عنها .


لقطة من فيلم اسم الوردة في الحوار الذي دار بين رئيس الدير وويليام عن الكتاب المسموم





- الراهب يورك: أنت ذكي جدًا بما فيه الكفاية، تستحق تلك الهدية، خذ الكتاب.


- ويليام: أنت لا تعلم أنني ارتدي القفازات، لقد كشفت السم في الكتاب .

ماريا مونتيسوري.. بصمة التعليم الخالدة




كي يتردد اسم مونتيسوري منذ نهايات القرن الـ19 وحتى وقتنا هذا لم يكن الأمر بسهولة نطق الاسم أبدًا، إذ استلزم هذا الأمر تحديات وصراعات خاضتها ماريا كفتاة وامرأة وطبيبة ومعلمة ورمز مجتمعي له وزنه عالميًا .

الأسرة والميلاد
ولدت ماريا في نهايات القرن الـ20 عام 1870 بمدينة أنكونا الإيطالية، حيث كانت المرأة في أوروبا محدودة الحقوق ومحددة الواجبات، بالإضافة لأسرتها ذات التركيب الخاص جدًا حيث كان والدها رجلًا أوروبيًا محافظًا هو السيد أليكساندرو مونتيسوري يؤمن بتقاليد المجتمع ويرعاها، على نقيض والدتها السيدة رينيلدا التي نشأت في أسرة أكاديمية عريقة واتسمت بالليبرالية الشديدة وأيدت ابنتها في أفكارها .

عام 1875 انتقلت ماريا مع أسرتها من مدينتها لمدينة روما العاصمة الإيطالية، وبرعت ماريا في دراستها وأظهرت تميزًا دفعها للإفصاح عن رغبتها بدراسة الهندسة والالتحاق بالمدرسة الصناعية والتي لم يكن يلتحق بها وقتها إلا الذكور، الأمر الذي رفضه والدها وعارضها فيه .

تعليم الفتيات في تلك الفترة كان مقتصرًا على دراسة الأدب والتاريخ والشعر الكلاسيكي وغيره من الدراسات النظرية التي تؤهل الفتيات إما لدورها التقليدي كأم وزوجة أو معلمة في مدرسة، لكن تلك الدراسات لم ترُق لماريا التي أظهرت ميلًا شديدًا لدراسة الرياضيات والميكانيكا والدراسات العملية ورغم معارضة والدها التحقت ماريا بكلية الطب .

كلية الطب
تسببت غلطة أحد الموظفين في التحاق ماريا بكلية الطب وتحقيق أمر كان شبه مستحيل، إذ ظن أن اسم الطالب ماريو في حين أنها ماريا، تشابه الحروف الإنجليزية وخطأ الموظف ساعداها على الدخول لعالم كان حكرًا على الرجال فقط، والتحقت بكلية الطب عام 1890 وكانت واحدة ضمن 132 فتاة فقط تدرس بالجامعة في إيطاليا كلها آنذاك، الأمر الذي لم يكن سهلًا أبدًا على زملائها من الشباب وسبب لها السخرية، وكان لهم معها باع من تقليل الشأن والرفض لوجود فتاة في نفس صفوف الدراسة لا يظنون أنها ستنجح في تخطي محاضرات التشريح ودخول غرف الجراحة ورؤية الدماء وراهنوا على فشلها، لكنها استطاعت اجتياز كل هذا وخسروا الرهان.

عام 1896 تخرجت مونتيسوري بعد تخصصها في طب الأطفال والطب النفسي مما ساعدها على العمل مع الأطفال على أسس نفسية سليمة، وبذلك أصبحت مونتيسوري أول امرأة تعمل كطبيبة في إيطاليا .



ماريا مونتيسوري في شبابها




بعد التخرج عملت ماريا في أحد المشافي المخصصة للأطفال المصنفين كمعاقين ذهنيًا، وشهدت في بدايات عملها المعاملة المتسمة بالإهمال والتجاهل التي يتلقاها هؤلاء الصغار، وفقر حياتهم في المشفى من حيث النشاطات وسبل التعلم، بالإضافة لعزلتهم التامة عن العالم وعدم مساعدتهم على اكتشاف المجتمع المحيط بهم .

كان لماريا في عالم الطب أبوان روحيان هما جان إياتارد وإدوارد سيجوين وهما طبيبان لهما إسهامات جليلة في علم النفس وتجارب قيمة متعلقة بنمو الطفل العقلي والبدني، وما زالت حتى اليوم هناك أدوات تعليمية منسوبة للسيد سيجوين، أما السيد جان إيتارد فهو الذي أثبت أن الانسان تنمو داخله الروابط الاجتماعية ولا يُولد بها من خلال تجربته مع أحد الأطفال الذي وُجد في الغابة وحيدًا وفشل في دمجه في المجتمع، وهي التجربة التي انبثقت منها رواية طرزان الشهيرة .






في إحدى المرات عرّضت ماريا هؤلاء الأطفال لتجربة فريدة وهي أن عرضتهم للمطر، أول مرة يتعاملون معه وقد أحسنوا ذلك وتوالت التجارب، في إحدى المرات أحضرت للأطفال بعض الرمال وطلبت منهم محاكاة الحروف الأبجدية عليها وبالفعل تعاملوا معها، واستطاع أحد الاطفال أن ينقش حروف اسم ماريا - المطبوعة على دفترها - على الرمال دون أن يدفعه أحد.

من هنا أيقنت أن طريقتها المبتكرة في التعليم لها نتائج جيدة، وبالفعل استمرت معهم في المراقبة والتجريب وتدوين الملاحظات، وعرضت هؤلاء الأطفال لاختبارات القراءة والكتابة المخصصة للأطفال المعافين وحقق طلابها نجاحًا وتقدمًا ملحوظًا، مما كان له أثر بالغ على الاطفال وعلى ماريا نفسها .

السيدة مونتيسوري ومن خلال بعض الخامات البسيطة استطاعت توفير أنشطة لهؤلاء الصغار مكنتها من تعليمهم القراءة والكتابة، ومن خلال تغييرها لنمط غرف الدراسة استطاع الأطفال التواصل مع بعضهم ومعها بشكل أفضل، استطاعت بعدها ماريا أن تقدم الأطفال لاختبارات المرحلة الابتدائية وتمكنوا من اجتيازها .

بيت الطفل



بيت الطفل الذي أسسته مونتيسوري


في العام 1907أوكلت لماريا مهمة الاعتناء بأبناء العاملين بالمصانع في أحد الأحياء الفقيرة، بدأت ماريا في تطبيق أساليبها التعليمية معهم واستمرت في عملها في المراقبة والتطبيق والتدوين والتحليل واعتماد بعض الأساسيات التي يجب أن يكون عليها فصل المونتيسوري في المدارس.

بعض أهم تلك الأساسيات :
- يجلس التلاميذ على كراسي وترابيزات بعد أن طلبت من النجارين تغيير شكل المقاعد التي أمدتها بها الجهة المعنية.

- أدوات التلاميذ لا توضع في خزانات مغلقة بل خزانات مفتوحة ومتاحة طوال الوقت للأطفال.

- غرفة الدراسة بلا سبورة، وتوجد مسافات كافية بين المقاعد بعضها وبعض لسهولة حركة الأطفال.

- كل الأدوات الموجودة في غرفة الدراسة يجب أن تكون متناسبة مع حجم الطفل وفي متناول يده.

- أرست قواعد تنظيمية بخصوص أنشطة الأطفال كسجادة العمل وآلية استعمال الأواني وغيرها.

- لا عقاب في التعامل مع الأطفال، الطفل حين يتعلم القواعد فإنه يتقنها ويلتزم بها.

والعديد من القواعد الأخرى التي أرستها مونتيسوري وما زالت تطبق حتى يومنا هذا في المدارس التي تتبنى تلك المنهجية التعليمية .




فصل مونتيسوري قديما





لقطات من فصل مونتيوسوري بإحدى المدارس التي تتبنى تلك المنهجية التعليمية



اكتشاف الطفل
في أحد مؤلفاتها تحدثت مونتيسوري باستفاضة عن اكتشاف الطفل، في كتاب يحمل نفس العنوان أقرت بعض ملاحظتها ومنها:

- أن الطفل يروقه أن يعمل لهدف.

- الروتين والثبات البيئي يعينان الطفل على التعلم السريع.

- التأثير الداخلي للطفل هو المعين الأول في تهذيبه وليس التأثير الخارجي.

- إذا قدمت معلومات مركبة ومعقدة للطفل بطريقة بسيطة فإنه يستطيع استيعابها بسهولة.

- بخلاف قواعدها التي تحث على تعليم السلام من خلال وعي الطفل بذاته ومجتمعه وبيئته وثقافته.

قدمت السيدة مونتيسوري بعد ذلك عشرات الكتب والمؤلفات منها مثلًا كتاب "ما الذي يجب أن تعرفه عن طفلك؟" و"سر الطفولة" و"العقل المستوعب" وغيرها .

وأطلقت على مدرستها اسم "case dei bambini" أي "بيت الطفل" لأن كل شيء فيها أصبح في متناول الأطفال وبين أيديهم، حقق ذلك البيت نجاحًا ملموسًا ولفت انتباه رجال التعليم والآباء لماريا وجهودها التي ارتقت بمستوى أداء الأطفال تعليميًا وعمليًا في جوانب حياتهم المختلفة .









حياتها الأسرية
رغم كل ما حققته مونتيسوري ومساهمتها في تعليم ملايين الأطفال حول العالم، فإنها عجزت عن مرافقة ابنها وتربيته .

في العام 1897كان لمونتيسوري صديق يدعى جوزيف مونتيسانو، ارتبطت به، وفي عمر الـ26 أصبحت ماريا حاملًا في تحول دراماتيكي في حياتها، رفضت الزواج بجوزيف كي لا يتغير لقبها من مونتيسوري لمونتيسانو كما هو متعارف عليه في أوروبا، وبسبب أنها أم عزباء صعب عليها مواجهة المجتمع، فأرسلت بابنها للريف ليتربى هناك مع أمها بين القرويين وكان يزورها من آن لآخر دون أن يعرف أنها أمه .

بعدها بسنوات قلائل تزوج جوزيف من امرأة أخرى، إلا أن ماريا رفضت الزواج نهائيًا وتوقفت عند تلك التجربة .

عام 1912 توفيت والدتها وعاد الولد إليها لتعلمه الحقيقة وأنها والدته وطلب البقاء معها فوافقت وظلا سويًا .

في نفس العام نشرت كتابها "أساليب مونتيسوري" الذي ترجم لعدة لغات وساعدها على نشر أفكارها في العديد من مدن العالم ،واستطاعت افتتاح مراكز التدريب التي هدفت لتدريب وتخريج معلمي مونتيسوري من أجل العمل في مدارسها وفق منهجيتها .

مع حلول العام 1913 كان في الولايات المتحدة أكثر من 100 مدرسة مونتيسوري بعد التقائها الرئيس الأمريكي ويلسون ودعمه لها، طافت ماريا دول عديدة أوروبية كفرنسا وبلجيكا وهولندا وإسبانيا وانتشرت مدارسها في كل بلد زارته، والتقت بوجهاء وعلماء العالم كتوماس أديسون وسيجمان فرويد وباترن راسل .

موسوليني وهتلر
تعرضت السيدة مونتيسوري لضغوطات بسبب الأوضاع السياسية السائدة في أوروبا وقت الحربين العالميتين وتحديدًا الحرب العالمية الثانية (1939 - 1948)، حاول موسولوني الضغط عليها وضم مدارسها لسلطته من أجل تعليم وغرس القيم الفاشية، إلا أن رفضها جعله أغلق كل مدارسها في إيطاليا، تكرر الأمر مع هتلر وأدى رفضها لبث المبادئ النازية في مدارسها لإغلاق مدارسها أيضًا في ألمانيا وإحراق كتبها ومؤلفاتها .

وأحد أهم أسباب مونتيسوري في هذا الرفض أنها تؤمن بأن الأطفال لا بد أن ينشأوا أحرارًا في أفكارهم دون تلقين أو تأثير خارجي .

اضطرت بعد إغلاق مدارسها لمغادرة إيطاليا عام 1933 وتوجهت للهند، حيث التقت هناك بالماهاتما غاندي الذي اتسقت أفكاره كثيرًا مع أفكارها من حيث تقدير قيمة الإنسان كإنسان لذاته واحترام ميوله ورغباته وقدراته، وهو الأمر الذي ساعدها كثيرًا على افتتاح مدارس أخرى هناك ومراكز تدريب جديدة .

ماريو ابن ماريا مونتيسوري هو من أعاد اكتشاف إرث والدته التعليمي بعد وفاتها بتعاونه مع الدكتورة نانسي مكروميش في العام ،1960 وهو أحد أسباب استمرار منهجيتها حتى الآن .

الآن يوجد حول العالم ما يزيد على 14 ألف مدرسة للمونتيسوري، كلها تعمل بنفس الفلسفات التي وضعتها ماريا مع تطوير طفيف في شكل الأدوات لكن باستمرار نفس الآليات .

من المهم أن نقول إن العديد من الشخصيات العامة تخرجت من مدارس مونتيسوري، كالأديب العالمي غابرييل غارثيا ماركيز ومؤسسي شركة جوجل سيرجي برين ولاري بيج وأحد مؤسسي ويكيبيديا والفنان العالمي جورج كلوني مبعوث السلام سابقًا بالأمم المتحدة .

نوبل
رُشحت السيدة مونتيسوري 3 مرات لنيل جائزة نوبل للسلام لكنها لم تحصل عليها، في المقابل طُبعت صورتها على طوابع بريد وعملات بعض الدول تقديرًا لدورها الريادي في دعم مسيرة التعليم عالميًا .







لم يقتصر مجهود ماريا فقط في دراسة الطب والبراعة فيه، وإنما كانت ناشطة نسوية بارزة تنادي بحقوق النساء وعدم معاملتهم كمواطنين درجة ثانية بعد الذكور، واحتساب أصواتهن في الانتخابات وإعطائهن حقوقهن التعليمية كاملة بالإضافة لحقوق اجتماعية وسياسية .

في هولندا عام1952 توفيت ماريا مونتيسوري عن 81 عامًا، قضت أكثر من ثلثي عمرها في خدمة أطفال العالم، من أجل التربية والسلام ومن أجل تعليم أفضل يقدم نماذج واعية ومدركة للحياة والمستقبل .

فيلم تمثيلي يؤرخ حياة ماريا مونتيسوري

الأربعاء، 29 نوفمبر 2017

فيلم "عدّاء الطائرة الورقية".. حكاية الصداقة والخذلان والوطن الضائع



من كواليس تصوير فيلم عداء الطائرة الورقية


"لأجلك أفعلها ألف مرة"، هتف بها حسن راكضا باتجاه الطائرة التي أسقطها مع أمير وجعلت من أمير فائزا في مسابقة (الطائرات الورقية)، تلك الكلمات تصف المشهد المفصلي في رواية (عداء الطائرة الورقية) ، المشهد الذي يحوي موقفا يُحيل علاقة أمير بصديقه حسن من أقصى اليمين لأقصى اليسار، بل يعصف بها تماما.

تبدأ الرواية من العام 1978 وتحكي عن أمير وحسن فتيان متقاربان في السن يعيشان سويا بمدينة كابُل الأفغانية، في نفس البيت لكن لكل منهما عالم مغاير تماما لعالم الآخر؛ أمير ابن رجل ثري يمتلك "فيللا" وسيارة وينتمي للطائفة الغالبة في أفغانستان حينها البشتون ، بينما حسن هو ابن الخادم علي يعيشان في غرفة صغيرة ببيت والد أمير وهما من طائفة الأقلية المنبوذة الهازارة.

أمير فتى هادئ الطباع يحب الكتابة ، غير انفعالي ومسالم لأقصى حد ، بينما حسن على النقيض تماما ويتولى الدفاع عن أمير إن لزم الأمر وهو ما تكرر اكثر من مرة حين حاصرهم بعض الفتية المتنمرين من قبيلة البشتون راغبين في الاعتداء عليهما اعتراضا على صداقة تجمع أمير – الذي هو من وجهة نظرهم من الأشراف – بحسن الصعلوك .



"كنت أنا وحسن، ونحن طفلان، نتسلق أشجار الحور في مدخل دار والدي، ونزعج جيراننا بقطعة مرآة نعكس بها أشعة الشمس داخل بيوتهم"



الإشكالية الحقيقية تكمن في علاقة أمير بابيه ومحاولاته التقرب منه بطرق شتى، الوالد مُحب لكنه يرى في أمير خيبة أمل كبيرة بسبب طباعه ، "رحيم خان" صديق الوالد يحاول دمج الأب والإبن واحتوائهم ، ينبه الوالد أن الأطفال ليسوا كتاب تلوين نلونهم بألوان تروق لنا ، ويقرأ لأمير قصته ويثني عليها .






مسابقة الطائرات الورقية
تأتي المسابقة لتمنح امير الفرصة في إبهاج والده ، يتقدم الفتيان للمسابقة ، يعملان معا على إسقاط الطائرة ، الأولى فالثانية فالثالثة حتى تسط كل الطائرات ويفوز الصديقان، يسعد الأب كثيرا بإنجاز ابنه ويستعيد أمير جزءً من ثقته بنفسه . الأب رجل واقعي جدا يفكر في العدالة وكيفية سير الأمور بالشكل الذي يضمن للجميع فرص متساوية .

يركض حسن لإحضار الطائرة الأخيرة لأمير ، يعترضه الفتية المتنمرون ويتعرض لحادث اعتداء جنسي من أحدهم ، يكون أمير شاهداً عليه دون علم أحد ودون أن يخبر أحد، يعجز أمير عن مساعدة صديقه ، ويحتفظ بالسر ، فضل أمير أن يظل والده على سعادته ولا يبوح بما رآه ، كي لا تضيع فرحة فوزه في المسابقة ويظل البطل في نظر والده .






"عندما تقتل رجلًا، فأنت تسرق حياةً، تسرق حق زوجته في أن يكون لها زوج، تسرق من أطفاله أباهم، عندما تكذب تسرق حق شخص في معرفة الحقيقة، عندما تغش تسرق الحق في المنافسة الشريفة"

السر

ظلت الحادثة سرًا لم يبُح حسن لأمير ولا العكس، إلا أن السر كان ثقيلا على أمير، وجود حسن أمامه دائمًا جعل شعور الذنب يلاحقه بلا توقف، اتخذ قرارًا بإبعاد الصديق للأبد من أجل إنهاء شعوره بالعجز والخذلان الذي يحمله تجاه صديقه، لفق لحسن اتهامًا على إثره رحل حسن ووالده من البيت، ظن أمير هكذا أن الأمر انتهى.




الهجرة
أحال دخول السوفييت لأفغانستان حياة الناس للنقيض، وكان من بينهم أمير ووالده، حيث اضطرا للهرب، ومن ثم طلب اللجوء للولايات المتحدة، تاركين ورائهم كل شيء، تمر سنوات كثر عمل فيها الاب في محطة بنزين ودرس أمير الطب، وارتبط بفتاة أفغانية تعيش في الولايات المتحدة وأصبح أمير كاتبًا كما أراد دومًا.

مكالمة تليفونية من السيد رحيم خان الميقم بباكستان تعيد أمير مرة أخرى لأفغانستان، مهمة فريدة من نوعها في انتظاره ومفاجأة لم تكن بحسبانه تفرض نفسها عليه. "جلست على مصطبة قرب صفصافة، فكرت في شيء ذكره رحيم خان قبل أن ينهي المكالمة، شيء أشبه بخاطرة راودته، يقول رحيم خان: "ثمة طريقة لتعود صالحاً من جديد".

على أمير العودة لأفغانستان رغم خطورة المهمة، ورغم سيطرة عناصر طالبان على مقاليد الأمور هناك، وحكمهم على من هرب وقت الاجتياح السوفييتي بالموت والتمثيل بجثته ليكون عبرة.

"في أحد أيام الصيف، هاتفني صديقي رحيم خان من باكستان وطلب منى أن أذهب لرؤيته، وأنا أقف في المطبخ والسماعة على أذني، عرفت أن من على الخط لم يكن رحيم خان فحسب، بل هو ماضٍ مثقل بذنوب لم يُكفَّر عنها، أمير". هل سيستطيع أمير إتمام مهمته؟ هل يصلح خطؤه ويكفر عن ذنبه؟ أم يفشل وتظل فعلته معلقة برقبته؟ تكشف الرواية الأحداث المثيرة بسرد مدهش وسلس .

رواية عداء الطائرة الورقية هي العمل الادبي الأول لخالد حسيني الطبيب (الأمريكي-الأفغاني)

وُلد خالد حسيني في كابُل بأفغانستان عام 1965، عام 1970 انتقل مع اسرته لإيران حيث عمل والده بسفارة أفغانستان في طهران. عام 1973 انتقلت عائلة حسيني لكابًل و وُلد أخوه الأصغر في نفس العام .

عام 1976 عندما كان خالد في الحادية عشر من عمره حصل والده على وظيفة في باريس ، انتقلت العائلة للحياه هناك ، ولم تستطع العودة مرة أخرى لأفغانستان بسبب الثورة على الحزب الشيوعي لاستيلائه على السلطة بإنقلاب دموي في إبريل 1978 بدلا من العودة ، في العام 1980 طلبت الأسرة حق اللجوء السياسي للولايات المتحدة ، وأقاموا في سان جونز بكاليفورنيا .

اتم دراسته الثانوية والجامعية وتخرج طبيبا في العام 1993، مارس الطب حوالي 10 أعوام قبل أن يطلق روايته الأولى "عداء الطائرة الورقية". حسيني كان مندوب بالأمم المتحدة بالمفوضية العليا لشئون اللاجئين، وكان مستمرا في العمل من أجل تزويد المؤسسات الإنسانية بأفغانستان من خلال مؤسسته الخاصة "خالد حسيني". وهو يعيش الآن في كاليفورنيا مع زوجته وولديه.




خالد حسيني


عن ظروف كتابة الرواية يقول حسيني إنه أراد كتابة قصة عن أفغانستان، كتب حوالي 25 ورقة ثم وضعها في درج مكتبه، بالصدفة عثرت عليها زوجته ودفعته ليكملها، لتخرج في النهاية رواية "عداء الطائرة الورقية ". صدرت الرواية عام 2003 في 507 صفحة ومقسمة لـ25 فصلاً، بيع منها حوالي 8 مليون نسخة في 34 بلدًا حول العالم .




في عام 2007 تحولت الرواية لفيلم سينيمائي بطولة الممثل العالمي خالد عبد الله، الذي جسد شخصية أمير، وممثلون آخرون بعضهم تعرض لمشكلات كالفتية الذين شخصيات الشباب المتنمرين، مم اضطر مخرج العمل لنقلهم للإمارات المتحدة للعيش هناك تجنبا للاحتكاك بهم من جانب مشاهدي الفيلم، إذ تحدث البعض أنهم يؤججون الفتنة والطائفية من خلال دورهم في الفيلم. يذكر أن الفيلم كله باللغة الأفغانية، إلا مقاطع بسيطة تحدث فيها الأبطال باللغة الإنجليزية.




الممثل خالد علي في يدور أمير

من الملاحظ تشابه حياة بطل الرواية أمير، مع حياة المؤلف خالد حسيني؛ إذ كلاهما طبيبين وكلاهما أفغاني مهاجر للولايات المتحدة، وكلاهما شهد بعضا من مشاهد الحرب سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، الأمر يجعلنا نضع ارتباطا ما بينهما لربما المؤلف أراد أن يؤرخ بعض لقطات حياته، وربما لا والأمر لا يعدو كونه مصادفة.


عداء الطائرة الورقية هي صراعات مركبة بعضها فوق بعض، صراع المشاعر وصراع السلطة وصراع الطبقية وصراع العنصرية وصراع المبادئ، صراعات متداخلة ومتشابكة تجبر القارئ على التعامل معها بهدوء من أجل إتمامها.

إلا أنها في نفس الوقت أبرزت لنا عالما لا نعرفه غيبته الحرب، الأجيال الجديدة التي لم تشهد أفغانستان في عزها، وطن جميل كان في السابق ينبض بالحياة والبهجة وأبرز مباهجها تنظيم مسابقات الطائرة الورقية.

طوال السنوات الماضية صُدرت لنا صورة أفغانستان المحترقة، ومشاهد الحرب والمسلحين والمدافع والطلقات النارية وأطفال أيتام وأشخاص فاقدي الأطراف. ربما نسى العالم أو تجاهل ذلك البلد الذي كان يمتلك وجها جميلا غني بالثقافة والفكر والأدب والحفلات والأسواق والمسابقات، عداء الطائرة الورقية حي حكاية الصداقة والخذلان والحب والرغبة في الوفاء وهي الكبرياء وحكاية الوطن الضائع واللجوء، الرواية متحيزة للإنسانية النقية وحفظ الانسان لأخيه الإنسان ولو كان ميتا. بعد سيطرة طالبان على أفغانستان ، مُنعت مسابقات الطائرات الورقية وتوقفت ولم تعود وتبقى منها ذكرياتها ، تماما كما حسن ، مات لكن مازال يحيا أثره الممتد.

رواية وفيلم "اسم الوردة".. حين يتحدى الكاتب قرّاءه

"كل الأشياء تندثر ولا يبقى منها إلا الأسماء "بهذه الجملة وعلى لسان الراهب "ويليام" ينهي أمبيرتو إيكو...